ابراهيم رفعت باشا

173

مرآة الحرمين

وفي عهد السلطان مراد الأوّل ( 761 - 792 ه ) بلغ الترك في فتوحهم نهر الطونة بعد أن هزموا الصرب والبلغار والمجر والأفلاق والألبان في واقعة ( قوصوه ) الشهيرة سنة 792 ه . وبهذه الفتوح كلها أصبحت أملاك الترك تكتنف القسطنطينية من جميع جهاتها . وبذلك طمع محمدا الثاني الملقب بالفاتح ( 855 - 886 ه ) في أخذها والقضاء على الدولة البيزنطية ، وقد تم له ذلك في عام 857 ه . وأصبحت القسطنطينية عاصمة الدولة التركية . وقد اتبع محمد الفاتح ذلك العمل الخطير بأن أتم إخضاع البوسنة والصرب والمورة وجزائر الأرخبيل وشواطئ البحر الأسود الجنوبية والقرم وألبانيا . ونزلت جنوده بجنوبى إيطاليا . وبذلك أصبحت شبه جزيرة البلقان بأيدي الترك . ثم وقف نموّ الدولة التركية في أوروبا لأن بايزيد بن مراد الأوّل لم يكن ميالا للحروب بوجه عام ولأن سليمان ابنه ( 918 - 926 ه ) شغل بمحاربة الفرس ومماليك مصر والشام وكان مظفرا في حروبه فقد أذل الفرس وأدخل الشام ومصر في حكم الترك وحمل فيما يقال الخليفة العباسي الذي كان مقيما إذ ذاك بالقاهرة على أن ينزل له عن الخلافة ففعل وأصبحت الخلافة في آل عثمان . فلما تولى ملك آل عثمان السلطان سليمان القانوني ( 926 - 974 ه ) استؤنف الفتح والتوسع في أوروبا ففتح السلطان بلاد المجر ودفع جيوشه في النمسا حتى بلغ عاصمتها ويانا وحاصر هذه العاصمة مرتين ولكنه لم يستطع أخذها لمناعتها واستبسال أهلها . ذلك أقصى ما بلغته حدود الدولة التركية في أوروبا . على أنها لم تستدم ذلك الملك الواسع طويلا فقد أصابها الضعف بعد القوّة لفساد إدارتها وسياستها في الداخل ولنهوض الدول المجاورة لها : الروسيا والنمسا وبولونيا واجتماعها كلها على محاربة الترك وانتقاص ملكهم فصار الترك ينجلون شيئا فشيئا عن أملاكهم الأوربية وغير الأوربية حتى أصبح ملكهم منحصرا في آسيا الصغرى .